حسن حسني عبد الوهاب

54

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

يتكلم بكلمة صقلبية استرابها ، فأخذ المعز نفسه بحفظ اللغات ، فابتدأ ( بالبربرية ) فأحكمها ، ثم ( الرومية ) فأتقنها ، ثم ( بالسودانية ) ، ثم مال إلى ( الصقلبية ) فمرّت به تلك الكلمة فإذ هي شتمة قبيحة " فبيّتها المعزّ في نفسه ولم يبدها حتى تولى الخلافة ( سنة 341 ه ) وبعد دهر تنكّر للفتى المظفر وعاقبه عن هفوته المستهجنة لسبب آخر في الظاهر . يهمنا من هذه الحكاية أن أبناء الأمراء ، وكذا أفراد الطبقة الأرسقراطية كانوا في عصر فيض حضارة إفريقية يتلقون تعليما متنوّعا كثيرا ما يشمل اللغات الأجنبية خصوصا لمن كان منهم مترشحا للوظائف الدولية كقيادة الجيوش والأساطيل أو إدارة ولاية يقطنها عناصر إفرنجية أو بربرية . وإنّا وإن لم نجد ما يعتمد عليه لتعيين عدد الكتاتيب بالقيروان في زمان فيض حضارتها أيام الأغالبة والفاطميين - فإنّا نعلم بالتنظير والمقايسة أن مدينة ( بلرم ) قاعدة صقلية كان " فيها أزيد من ثلاثمائة معلّم يؤدبون الصبيان " كما قصه علينا الرحال البغدادي أبو القاسم بن حوقل الذي زار المغرب في منتصف القرن الرابع ، وقد أردف هذا الجغرافي كلامه المتقدم بقوله : " وهؤلاء المعلمون يرون أنفسهم أنهم أفضل السكان وأجلّهم ، وأنهم أهل اللّه " " 1 " . فإذا كان في ( بلرم ) وحدها ثلاثمائة معلّم للصبيان فما بالك بما كانت تحتوي عليه القيروان عاصمة البلاد وكعبتها - من المدارس الابتدائية في عصر غزارة عمرانها وتبحّره . ويلوح لي بهذه المناسبة أن السبب الأصلي الذي حمل محمد بن سحنون وبعده أبا الحسن القابسي على الاعتناء بالتأليف في موضوع " آداب المعلمين والمتعلمين " إنما هو الحاجة الماسّة إلى تقنين أصول التعليم الابتدائي المنتشر إذ ذاك أيما انتشار بين سائر الطبقات ، فلولا ذلك الانتشار والفيض الكبيران لما كانا - رضي اللّه عنهما - يعتنيان خاصة بسن القواعد له ، ووضع الأصول الواجب اتباعها ،

--> ( 1 ) المسالك والممالك لابن حوقل ط . ليدن 1872 ص 87 .